الشيخ محمد الصادقي
278
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ » ( 37 : 71 ) ، وإن كانت تعني أحيانا من قبلكم وقبل الأوسطين : « قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ » ( 26 : 26 ) فحين تعني الأولين أولية الرسالة والمرسل إليهم فالآخرون هم المسلمون ، لمحة لطيفة إلى أن الرسالات كلها تقدمات وتهيئات لهذه الرسالة الأخيرة السامية ، لا شأن لها إلا أوليتها وأنها تعبّد طريق هذه الأخيرة . « وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ » رسالة تترى دونما انقطاع « فِي الْأَوَّلِينَ » : « ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ » ( 23 : 44 ) سنة دائبة في تواتر الرسالات رغم تواتر التكذيبات دون أن يضرب عنهم الذكر صفحا أن كانوا مسرفين ! « ما يَأْتِيهِمْ » هؤلاء المناكيد الأوغاد « مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » وهم أولاء المترفون : « وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ » ( 34 : 34 ) ومن ثم المستضعفون ، والرسالات الإلهية تحارب المستكبرين وتؤوي المستضعفين : « فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً » أشد منهم بينهم « 1 » وأشد منكم « وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ » مضيا في واقعه حيث الهلاك الواقع ، ومضيا في إنباءه حيث الإنباءات الماضية منذ بزوغ وحي القرآن ، ومضيا في إمضاءه ككل إنباء لكم ، حيث الإنباءات تترى طول نزول القرآن ، ومضيا في تحقيقه بينكم : « لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » ( 84 : 19 ) سنن من كان قبلكم حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة .
--> ( 1 ) . ف « هم » يعنيهما ، أشد منهم بينهم وأشد من هؤلاء الموجودين زمن الرسول ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) .